الفيلم الخليجى عقاب كامل جودة عالية

من حق مجيد عبدالرزاق أن يحلم بدخول عالم الفن من بابه الواسع، خصوصاً أنه يملك الوسيلة الأهم في مجال السينما وهي المال والميزانية الضخمة التي تتحكم في امكانية صناعة الأفلام. وكلنا يعلم أن عبدالرزاق هو تاجر مفروشات اماراتي يتحدث العربية بلكنة فارسية أحب قصة “الكونت دي مونتي كريستو” وسافر الى لندن حيث أخذ دورة في صناعة السينما مدتها شهران، وعاد ليحقق حلمه فكتب السيناريو وتولى مهمات الاخراج والانتاج والبطولة المطلقة ولجأ الى مجموعة من النجوم الخليجيين ليشاركوه هذا الحلم، وقادهم بسفينته الى بر تنقصه صفتا الحرفية والإبداع. وهنا يستوقفنا تساؤل كبير خطر في بال كل من قرأ عن الفيلم وتفاصيله قبل عرضه، ولم يشف غليلنا حتى بعد مشاهدته، وهو كيف يوافق هؤلاء النجوم على خوض أول تجربة سينمائية فعلية تحت قيادة رجل أعمال يحب الفن ولكنه يفتقر الى الخبرة في كل مجالاته بدءاً من التمثيل وصولاً الى الكتابة والإخراج، خصوصاً حين نشاهد أسماء وأداء مبدعين مثل محمد الجناحي وحبيب غلوم وسميرة أحمد ومرعي الحليان ومحمد سعيد ومحمد العامري وعبدالحميد البلوشي ويلدا وصوغة البلوشي، الى جانب السعودي عبدالمحسن النمر والبحرينية هيفاء حسين، كما شارك في التمثيل السورية جيهان عبدالعظيم وأسماء كثيرة بعضها فتي في التمثيل وبعضها بلغ من النضوج ذروته.
أعتقد ان عوامل عدة دفعتهم الى خوض هذه التجربة أولها الحاجة الماسة الى فتح الباب أمام الآخرين وتشجيعهم على الانتاج السينمائي، وكأنهم يعلمون مسبقاً أن حكم الجمهور لن يكون ظالماً لأنها خطوة أولى لا بد ان تحفل بكثير من كلمات التشجيع والثناء وأياد تشد على أيديهم لتأخذ بهم الى مراحل متتالية تؤدي الى أفلام أكثر جودة وأقل هفوات. صحيح اننا نضع هذه النقطة المهمة في اعتبارنا ونحن نسير نحو تفصيل العمل فنياً، لكن نقاطاً كثيرة تصفعنا على وجوهنا لنعود الى تحميل هؤلاء مسؤولية ما شاهدناه، لا سيما الدكتور حبيب غلوم الذي لعب دور المشرف على الفيلم، وهو الضليع في لعبة الاخراج والكتابة والتمثيل.
لنرجع الى البداية وإلى قصة “الكونت دي مونتي كريستو” التي كتبها الكسندر دوما من قصره الذي يحمل اسم “مونتي كريستو” والذي ما زال موجوداً في فرنسا، وذلك بين عامي 1844 و1845. الأحداث هي تماماً كما رأيناها في فيلم “عقاب” تتحدث عن “ادمون دانتيس” او ماجد الذي أحب “مرسيديس” وهي فاطمة في الفيلم الاماراتي، وفرق بينهما ابن خالتها خميس بمساعدة مبارك. فسجن ماجد 14 عاماً في قلعة بعيدة ثم تمكن من الهرب ليعود الى الانتقام فيجد فاطمة وقد تزوجت من خميس وكل من ظلمه ينعم بالمال والجاه، بينما والده مات من الجوع، ويقرر ماجد الذي ينتحل شخصية سفيان بني رشيد أن يلعب لعبة الموت مع أعدائه ويلاحقهم بشتى الأشكال، فيدفع بهذا الى الانتحار بمسدسه وتلك الى الانتحار بجرعة من السم الذي يوحي لها به. المعروف أن القصة مليئة بالقتل أو بالأحرى الانتحار بوسيلتي السم والرصاص وهما وسيلتان توفرتا بكثرة في ذلك الزمن الذي وقعت فيه أحداث القصة الأصلية والمؤرخة من عام 1815 الى 1839. بينما تم تأريخ أحداث “عقاب” في العام 1984 أي انه حديث العهد ولا يعود الى قرون مضت. هذا الفارق الزمني الكبير بين الروايتين لم يستوقف عبدالرزاق او حبيب غلوم إلا من حيث اللبس وطبيعة البلد وربما حصل التغيير في هذا الشق لضرورة تعريب القصة وإلباسها الزي الاماراتي. صحيح ان عبدالرزاق قال إنه الوحيد الذي التزم برواية دوما كما هي بينما تعمد من سبقه إليها درامياً الى التغيير في أحداثها، لكن فاته أن بعض التفاصيل لا تصلح لكل زمان ومكان، خصوصاً انه نسب روايته الى عصر مختلف عن عصر دوما. وأبرز نقطتين هما الانتحار أولاً ووسائله ثانياً. فالانتحار بالسم كان شائعاً في ذلك الزمن وخصوصاً في الروايات العاطفية وعلاقات الحب الفاشلة. وهي وسيلة لم تعد تستخدم إلا نادراً اليوم بل إن فكرة الانتحار، المرفوضة دينياً، لم تعد واردة بهذا الشكل في مجتمعاتنا العربية، بل إنها نادرة جداً ومرفوضة. هذا من جهة الحبيبين عفراء وناصر. والأصعب أن نشهد حالة انتحار زوجة سليمان (سميرة أحمد) وابنها الطفل البريء بواسطة السم أيضاً انتقاماً من زوجها. فهل كانت “خيانة” لالكسندر دوما لو أن الكاتب عدل في اسلوب وطريقة القتل لتتماشى مع زمن الرواية المعاصر؟ انها من بديهيات العمل السينمائي والدرامي التي تفرض على الكاتب والسيناريست والمخرج التوقف عندها ومراعاتها.
لن أسرد الأحداث كاملة وتسلسلها، لأن الملاحظات كثيرة تستوقفنا وتستفزنا بدءاً من أداء البطل لدوره وافتقاره الى موهبة التعبير وهي واضحة لا تحتاج الى اختصاصيين في التمثيل او نقاد محترفين لملاحظتها، وصولاً الى السيناريو الضعيف خصوصاً في بعض المواقف الانسانية والذي يتجه الى سرد المواعظ والدروس في المبادئ والأخلاق والنهاية الهزيلة للفيلم، ثم الاخراج البدائي الذي فاته أن المال وحده لا يصنع فيلماً عظيماً، وأن المشاهد الطبيعية الجميلة تخدم المخرج فقط في التقاط مشاهد خارجية رائعة وأن المشاهد الداخلية في القصور والفخامة في المكاتب والمفروشات لا تثري المشهد البارد والذي يخلو من روح وحياة النص والأداء. وهنا تستوقفنا نقطة أساسية وبارزة، وهي الفرق الشاسع بين أداء بعض الممثلين في هذا الفيلم مثل محمد الجناحي في دور المطوع جاسم وحبيب غلوم في دور اللواء والقاضي سليمان، وأداء البطل الذي من المفترض حسب الأصول الدرامية أن يوازي من يأتون من بعده حسب التراتب في الفيلم من حيث الأداء إن لم يفقهم إبداعاً وموهبة، علماً أن البطل أصر على الظهور في كافة المشاهد دون استثناء منذ بداية الفيلم وحتى آخره، كذلك الفرق كبير بين أداء البعض والاخراج البطيء والضعيف والتسلسل غير المنطقي للأحداث. علماً أن الماكياج الذي لا بد أن يكون بطلاً في هذه النوعية من الأفلام لأنه ينقل المشاهد بالنظر والاحساس من مرحلة زمنية الى مرحلة لاحقة، ويغير من ملامح نجومه وفقاً لتقدمهم بالعمر وللعوامل التي يتعرضون لها في هذه الأحداث، هذا البطل غاب كلياً عن فيلم “عقاب” ولم يلعب دوراً إلا في تجميل حسناواته والاعتناء بجمال وطلة وهيبة البطل. والأخطاء في هذا الإطار كبيرة وجسيمة أبعدت المشاهدين عن منطق تصديق ما يشاهدونه على الشاشة. فأثناء وجود ماجد في السجن، التقى بالمطوع جاسم المسجون هناك منذ ثلاثين عاماً وترافق معه الى زنزانته عبر نفق ضيق داخل القلعة شقه جاسم بيديه عبر السنين. أثناء العبور هذا، رأينا الغبار يلون شعر السجينين بالأبيض في مشهد قصير، وإذا بهما يخرجان من النفق في آخر المشهد دون نقطة غبار واحدة على الرأس او الملابس، التعب واضح من رعشة يدي جاسم وجسمه النحيل وتجاعيد وجهه، بينما يخرج ماجد من السجن بعد 14 سنة وهو بكامل قوته لا بل تتعمد الكاميرا التقاط مشهد خروجه من البحر وهو يمشي بقامته الطويلة والصلبة وكأنه غير كل البشر لا تتأثر عظامه طوال تلك السنين من العفن والرطوبة تحت الأرض وبعيداً عن الشمس، ولا يميل ظهره الى الانحناء ولو قليلاً مما يضطره الى الخضوع لتمارين رياضية وعلاج معين قبل العودة بكل قوة وتحد الى خصومه. علماً أنه عانى الجوع والعطش سنوات طويلة. حتى لون بشرته لم يتأثر بكل هذه العوامل! كذلك حبيبته فاطمة (هيفاء حسين) التي لم تتغير ملامحها أبداً منذ الصبا وحتى بعد ان أصبحت أماً لشاب في العشرين! وحين عاد ماجد باسم مختلف ولباس فاخر وهو يدعي انه رجل أعمال اسمه سفيان بني رشيد ذو لحية خفيفة، لم يكلف أحد نفسه عنا تغيير ملامح هذه الشخصية لنصدق أنها خدعت أهلها وكل من كان يعرفها في الماضي، وكأن الاسم واللحية يكفيان لتغيير الناس بشكل كامل.
ومن أخطاء المخرج انه جعلنا نشعر طوال الفيلم بأننا أمام لقطات مأخوذة هنا وهناك تم جمعها في أحد معامل صناعة الأفلام، ويبدو ان من ساعده في الاخراج عرف كيف يلتقط بعض المشاهد الجميلة والجيدة التي ضاعت وسط هذه “المعمعة”. ويتوه المشاهد بين المنطق واللامنطق، خصوصاً حين تنتقل الكاميرا من موقع الى آخر، فحين يقرر ماجد أن يبحث عن الكنز في الجزيرة يدعي ان قدمه زلت وكسرها كي يتركه الباقون الذين رافقوه الى الجزيرة فيتسنى له البحث بمفرده، وما أن يستدير الجميع حتى يقف ماجد ويسير على قدمه. ويدخل المغارة دون أن نفهم كيف حصل على المعدات التي تساعده على نبش الكنز، وهو يرتدي قميصاً أبيض لا يتسخ طوال رحلة البحث داخل المغارة. كما لا نفهم كيف يحصل على الملابس الفخمة وساعة يد قيمة يضعها في يده وهو ما زال شارداً خرج لتوه من البحر ومن رحلة هروبه من القلعة وقبل أن يصل الى الكنز والمال. وتتوالى المشاهد غير المترابطة والمتقطعة، فتارة نراه عند سليمان وطوراً عند مبارك، كذلك لا نفهم كيف وصل الى ليلى ابنة الباشا الذي قتله خميس وجاء بها الى دبي لينتقم لها ولنفسه من خميس. وكيف استطاعت زوجة سليمان أن تحصل على السم لتضعه لعفراء، وكيف استطاع هو ان يدخل بيت اللواء سليمان أكثر من ليلة دون ان يراه أحد ويصل الى غرفة عفراء لينقذها من الموت ويضع لها العلاج بدل السم في كأسها؟ وكيف يملك رجل مثله الداء والدواء، فيتمكن من تقديم العلاج الشافي لعفراء بعدما وصلت الى حافة الموت وهي تنازع!
سقطات كثيرة يطول الحديث عنها إن شئنا، لكن لا بد أن نتوقف عند ايجابيات معينة كي لا نظلم أحداً، ومن هذه المحطات مثلاً مشهد انتحار زوجة اللواء سليمان لحظة وصوله الى البيت، وهو مشهد رائع غني بالأداء والحوار خصوصاً حين يقول سليمان لماجد وهو منتحل شخصية شيخ “أنت لا تطلع إلا ساعة الموت؟” ثم يقول له “أعرفك، أنت أكيد واحد من اللي ظلمتهم يوماً ما”. عبارات ترمز الى الكثير وتختصر رحلة سليمان مع الظلم والموت، وقد برع غلوم في أداء هذا الدور فرفعه الى مستوى أعلى بكثير من مستوى الفيلم عموماً، ولعله المشهد الأقوى والأجمل في “عقاب”. ثم يأتي مشهد سبقه في تسلسل الأحداث لكنه يليه في الجودة، وهو لحظة خروج فاطمة وابنها من البيت مهزومين بعدما قررا هجر الزوج والأب خميس لاقترافه جرائم لا تغتفر في حياته. فنرى الأم والابن يهمان بالخروج بينما يراقبهما خميس من خلف شجر حديقة المنزل، ويتحرك الثلاثي في لقطة جميلة، يذهب الابن برفقة والدته فيأتي الأب ليدخل المنزل ويقفل الباب على نفسه ونسمع صوت طلق يوحي بأنه أنهى حياته انتحاراً.
بعض الإضاءات الجميلة تبشر بامكانية الوصول الى فيلم حقيقي في الامارات، وهي خطوة لم تعد تكلف الكثير، ولا تتطلب إلا بعض الجهود. ودعونا لا نتوقف عند خاتمة فيلم “عقاب” لئلا نعود الى الهبوط ثانية بعدما ارتقينا الى فوق ولئلا يكون عقاباً للفيلم وللجهود التي بذلها البعض. ولا بد ان نشكر عبدالرزاق على جرأته لأنه فعل ما لم يفعله غيره ممن هم أصحاب الخبرة في هذا المجال وأقدم على خطوة تراجع عنها او تجاهلها كثيرون ممن لهم باع طويل في مجال الانتاج.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: